ابن قيم الجوزية

221

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وقال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ( 57 ) [ الكهف ] . وقال تعالى : وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ( 37 ) [ غافر ] قرأها الكوفيون ، وصدّ بضم الصاد حملا على زيّن ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 ) [ غافر ] وقال : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 258 ) [ البقرة ] . ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة ، فإنه حجته على عباده . والقدرية تردّ هذا كله إلى المتشابه ، وتجعله من متشابه القرآن ، وتتأوّله على غير تأويله ، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه ، وعدم إرادة المتكلم له ، كقول بعضهم : المراد من ذلك تسمية اللّه العبد مهتديا وضالا ، فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك ، وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصحّ حمل هذه الآيات عليه ، وأنت إذا تأملتها ، وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة ، وليس في لغة أمة من الأمم ، فضلا عن أفصح اللغات وأكملها ، هداه : بمعنى سماه مهتديا ، وأضلّه : سماه ضالا . وهل يصح أن يقال : علمه ، إذا سماه عالما ، وفهمه ، إذا سماه فهما ؟ ! وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى * لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ( 272 ) [ البقرة ] . فهل فهم أحد غير القدرية المحرّفة للقرآن من هذا ، ليس عليك تسميتهم مهتدين ، ولكن اللّه يسمي من يشاء مهتديا ؟ وهل فهم أحد قط من قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ( 56 ) [ القصص ] لا تسميه مهتديا ، ولكن اللّه يسميه بهذا الاسم ، وهل فهم أحد من قول الداعي اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة ] وقوله : اللهم اهدني من عندك ، ونحوه ، اللهم سمني مهتديا ؟ !